السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
40
مختصر الميزان في تفسير القرآن
قوله تعالى : وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ الحيد العدول والميل على سبيل الهرب ، والمراد بسكرة الموت ما يعرض الإنسان حال النزع إذ يشتغل بنفسه وينقطع عن الناس كالسكران الذي لا يدري ما يقول ولا ما يقال له . وفي تقييد مجيء سكرة الموت بالحق إشارة إلى أن الموت داخل في القضاء الإلهي مراد في نفسه في نظام الكون كما يستفاد من قوله تعالى : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ ( الأنبياء / 35 ) ، وقد مر تفسيره فالموت - وهو الانتقال من هذه الدار إلى دار بعدها - حق كما أن البعث حق والجنة حق والنار حق ، وفي معنى كون الموت بالحق أقوال أخر لا جدوى في نقلها والتعرض لها . وفي قوله : ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ إشارة إلى أن الإنسان يكره الموت بالطبع وذلك أن اللّه سبحانه زيّن الحياة الدنيا والتعلق بزخارفها للانسان ابتلاء وامتحانا ، قال تعالى : إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً ( الكهف / 8 ) . قوله تعالى : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ هذه نقلة ثانية إلى عالم الخلود بنفخ الصور بعد النقلة الأولى ، والمراد بنفخ الصور النفخة الثانية المقيمة للساعة أو مجموع النفختين بإرادة مطلق النفخ . والمراد بيوم الوعيد يوم القيامة الذي ينجز اللّه تعالى فيه وعيده على المجرمين من عباده . قوله تعالى : وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ السياقة حث الماشية على المسير من خلفها بعكس القيادة فهي جلبها من أمامها . فقوله : وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ أي جاءت إلى اللّه وحضرت عنده لفصل القضاء ، والدليل عليه قوله تعالى : إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ ( القيامة / 30 ) . والمعنى : وحضرت عنده تعالى كل نفس معها سائق يسوقها وشاهد يشهد بأعمالها ولم